منى الصباح.. أول امرأة تُطلق مشروعاً لنظام الزراعة المائية في فلسطين

منى الصباح.. أول امرأة تُطلق مشروعاً لنظام الزراعة المائية في فلسطين

03-Jan-2021

 

نابلس - مع وجود الإنسان على وجه الأرض عرفت الزراعة التي تُعدّ الممول الأساسي للمواد الغذائية، وكان الاعتقاد السائد لآلاف السنين أنّ التربة إضافة إلى الماء والهواء والضوء هي أهم مقومات النشاط الزراعي الناجح، ولا تُمكن الزراعة من دونها، إلى أن توصَّل العلماء والباحثون إلى طريقة جديدة للزراعة بلا تربة، يُطلق عليها اسم "هيدروبونيك الزراعة المائية"، التي تعتمد على الزراعة في الماء، مع توفير باقي المقومات الأُخرى اللازمة لنمو النبات.

وتُعدّ الزراعة المائية تكنولوجيا صديقة للبيئة، إذ يمكن استخدامها لزراعة أي نوع من النباتات باستخدام نظام غذائي متوازن بشكلٍ علميّ، ومع الظروف التي نعيشها كان لهذه الزراعة نصيبٌ من التجربة في فلسطين بعد انتشارها في قطاع غزة ليكون أيضاً للسواعد النسائية حصة فيها وشرف كبير في خوضها والنجاح بها.                                             

منى الصباح الأُمٌّ والمعلمةٌ والفنانةٌ تشكيلية، والأهم من ذلك أنها أول سيدة فلسطينية تبدأ مشروعاً لنظام الزراعة المائية (الهيدروبونيك) في الضفة الغربية.

ليس من السهل أن يترك الإنسان بصمةً في العديد من القطاعات، إلا أن منى تشكل من نفسها نموذجاً ملهماً لجميع النساء، وتبرهن أنّ المرأة الفلسطينية قادرة على أن تكون منارةً لغيرها وصاحبة تجربة يُحتذَى بها.

تجربة منى في استحداث نظام بسيط للزراعة المائية على سطح بيتها تجربة تحاول من خلالها أن ترسم، وتشكل مستقبلاً واعداً للقطاع الزراعي الفلسطيني، وأن تقلص حجم المشاكل التي يواجهها المزارع الفلسطيني باعتماد نظامٍ قادرٍ في النهاية على تحقيق الاكتفاء الذاتي، من جهة، وأن يصدر منتجاً عضوياً يحمل اسم فلسطين.

بين العمل والشغف، والمهام المتعددة تحاول السيدة منى الصباح من بلدة بيت إيبا، الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة نابلس، أن تبتكر وتبدع في زمن كورونا، معلنةً عدم الاستسلام لمحنة الوباء، والبحث عن فكرة تكون الجانب المضيء في كل المواقف المعتمة، وفي ظل الحظر ليكون لها دور فعّال وإيجابيّ في ظل الظروف التي نعيشها، وتحقق قدراً من الإيجابية، بدلاً من السلبية، لذا كانت فكرتها الزراعة المائية.

منى.. معلمة الرياضيات والفنانة

تقول منى الصباح عن نفسها: أنا كأيّ أُم تحب العناية بأطفالها ومنزلها، وهم دائماً على هرم أولوياتي، وبالرغم من أنني في البداية دخلتُ كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح وتخرجت منها عام 2004، وبالرغم من حبي للرسم التشكيلي وصور البورتريه، إلا أن حبي الشديد للرياضيات أيضا جعلني أن أقرر دراسته، وبالفعل التحقتُ بجامعة القدس المفتوحة وتخرجتُ منها، وأعمل معلمةً للرياضيات.

وتضيف: ولكن هواياتي متعددة، فأنا أعتبر نفسي إجمالاً هاويةً للفنون والزراعة والرياضيات ومحبة للتراث الفلسطيني، وأسعى دائماً لإبرازه وتطويره بالطرق المتاحة لي.

وتشير منى إلى حبها الشديد لإجراء اللقاءات مع كبار السن لتستلهم من ماضيهم، وتقوم بإعداد فيديوهات عنهم وتنشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأخذ العظة والعبرة منهم، كما تحاول دائماً أن تُبرز التراث الفلسطيني في لوحاتها، فترسم كل ما يمثل مدينة يافا وبلدتها القديمة والقدس، وتسعى من خلال ريشتها إلى إبراز التطريز الفلسطيني والأدوات التراثية أيضاً، ساعيةً إلى حفظ هذا التراث من الاندثار والضياع، ليبقى موروثاً للأجيال المقبلة.

أما عن كونها مدرسة للرياضيات، فتبتسم منى وتواصل حديثها: دائماً أُحاول أن أُشكل نموذجاً للتربية الأكاديمية الصحيحة في تدريس هذه المادة، بحيث يعتبرها الأطفال صعبةً عليهم، فأقوم بتأسيس الطالب الضعيف في هذه المادة بطريقة مناسبة وبتأنٍّ.

تجربة الزراعة المائية..

وعند سؤالها عن فكرتها التي برزت بها وتجربتها في مجال الزراعة المائية فوق سطح منزلها، خاصةً أنّ هذا النوع من الزراعة لم يخُض غماره إلا قلائل في الضفة الغربية، بالرغم من أنه يهدف إلى إنتاج نباتات عضوية مختلفة وتقليل استهلاك المياه وتوفير الاكتفاء الذاتي، تقول منى: أنا بطبيعتي أُحبّ الزراعة وشغوفةٌ بها، وأزرع على شرفة منزلي أنواعاً متعددةً من الأزهار وبعض الخضراوات البسيطة، أما الزراعة المائية، فتعرفتُ عليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتعمقتُ في القراءة عنها والاطلاع على الكثير من المواد المتعلقة بها، وشاهدتُ العديد من مقاطع الفيديو عنها، وأُعجبتُ جداً بفكرتها، لدرجة أنني بدأتُ أسأل وأستفسر عن طريق المهندسين الزراعيين وذوي الاختصاص في هذا المجال.

وتستطرد منى قائلة عن الزراعة المائية نفسها: هذا النوع من الزراعة يساعد على تقليل مشكلة شح المياه، فهي اقتصادية من جانب استهلاكها للمياه والأسمدة، ويدخل في نظامها التكنولوجيا وتنتج مزروعات عضوية، وتعتمد طريقة "الهيدروبونيك" على زراعة بذور النبات أو "الشتلات" في محلول مائي مغذٍّ، يحتوي على العناصر الرئيسية التي يحتاج إليها النبات، وتتراوح بين 12 و16 عنصرًا، أو زراعة النبات في مادة صلبة "خاملة"، بحيث لا تتفاعل مع المحلول المغذي للنبات. وبهذه الطريقة يُستغنى عن اللجوء إلى استخدام المخصبات الكيماوية التي عادةً ما يتسرب الفائض منها عن حاجة النبات في الزراعة التقليدية إلى التربة. كما أن الزراعة المائية تحمي النبات من الآفات التي قد تهاجمه من التربة، كما هو الحال في الزراعة التقليدية، وفي ظل جائحة كورونا زادت قناعتي بأن الحاجة أصبحت مُلحة لإنتاج واستهلاك مزروعات عضوية، إذ إنّ أغلب غذائنا غير صحي، ويسوق لنا بغرض تجاري، ويحوي في داخله الكثير من الهرمونات والكيماويات.

 

استغلال وعقبات..

وتعود إلى البداية لتشرح لنا أكثر، فتواصل حديثها: في بداية مشروعي تعرضت للاستغلال من قبل جهاتٍ حاولت أن تبيعني المعدات والمحاليل وأشتال النباتات والبذور بأسعار عالية جداً، وأُرجح أن السبب في ذلك يعود إلى كوني سيدة، وهذا المجال لا توجد فيه الكثير من النساء اللواتي يعملن به، لكن لم ينطلِ عليَّ هذا الاستغلال، ولم يُثبط عزيمتي، والفضل في ذلك يعود إلى قراءتي وإلمامي الشامل بهذا الموضوع من جوانبه كافة.

وتضيف: ولم تكن هذه المشكلة الوحيدة التي واجهتني، والعائق الآخر يكمن في كون هذا النوع من الزراعة ليس منتشراً بشكلٍ كبيرٍ في الضفة، ناهيك عن كون التكلفة الإنشائية للزراعة المائية بشكلٍ عامٍّ مرتفعة الثمن، لكن بإمكان صاحب المشروع أن يُصمم نظاماً أقلّ كلفةً من كلفة التقنيات العالية والأنابيب المستخدمة في الزراعة المائية، وهذا ما قمتُ به، نظرا لوجود أنظمة تؤدي الغرض نفسه، ولكن بسعرٍ أقل، وهو ما ساعدني وقد يساعد المزارعين على تجاوز عقبة التكلفة العالية لإنشاء نظام زراعةٍ مائية، وأسعى بكل جهدي لأُطور فكرة نظامٍ بسيطٍ بتكلفةٍ مناسبةٍ للجميع.

 

مستقبل فلسطين ومجدها الزراعي

"مستقبل فلسطين" و"مجد فلسطين الزراعي"، هكذا تصف منى الزراعة المائية وهي تتحدث عن إيجابياتها: هذا النوع من الزراعة يوفر ما نسبته 90٪ من المياه والأسمدة مقارنةً بالزراعة التقليدية في التربة، ففي هذا النظام تظلّ المياه موجودة، ويتم تكريرها فقط لا غير، إضافةً إلى أن هذا النظام الزراعي لا يحتاج إلى مبيداتٍ حشريةٍ أو فطرية، ولا يحتاج إلى حراسةٍ مقارنةً بالزراعة في الأرض.

تضيف: ومن المميزات الأُخرى للزراعة المائية أنها سريعة وإنتاجها أعلى، فزراعة 90 متراً مربعاً بهذه التقنية يعادل زراعة دونم أرضٍ بالطريقة التقليدية.

وتتابع منى: في المجمل، وباختصار، يعالج هذا النظام الزراعي مشكلة نقص الأراضي التي نعاني منها، إضافةً إلى مشكلة شح المياه، والفائدة الأكبر هي حصولنا على مزروعات عضوية خالية من الهرمونات والمبيدات الحشرية، وتكون ذات جودة عالية، مع خلوها من الأعشاب الضارة التي تنبت عادة بين المزروعات، وأخيراً تُقلل نسبة الأيدي العاملة التي قد تشكل عبئاً على المزارع أو صاحب الأرض.                             

أما عن المحاصيل الممكن إنتاجها من خلال هذه التقنية، فتقول منى: الزراعة المائية صالحة لزراعة كل أنوع الأزهار ونباتات الزينة والنباتات المثمرة كالخضروات والفواكه والورقيات والأشجار التي بالإمكان تقزيمها من خلال هذه التقنية، حيث يصبح منتجها أعلى، وعلى الرغم من انتشار هذه التقنية في غزة، والتجارب النسائية هناك أثبتت نجاحها، إلا أن التجارب "القليلة" في الضفة تعد حكرا على الرجال.

وتؤكد منى أنّ اقتناع المزارعين بالدرجة الأُولى بهذا النوع من الزراعة سيشكل نقلة نوعية في القطاع الزراعي في الضفة بشكلٍ خاص، وفلسطين بشكلٍ عام، فالزراعة المائية مُجدية اقتصادياً، وستعمل على تحويل القطاع الزراعي الفلسطيني إلى مُصدّر لا مستهلك ومستورد فقط، وسيُغني ذلك عن الاعتماد على منتجات الاحتلال الزراعية بحجة أنها ذات جودةٍ أعلى من المنتج الفسطيني، فهذا النظام قادر على إخراج محصولٍ عضويٍّ بجودةٍ عالية.

وتؤكد منى أنها في البداية خاضت تجارب عدة، ولم تنجح، فكانت تُعيد الكَرّة بعد أن تقوم باستشاراتٍ وتعديل بعض التقنيات، واستخدام طرقٍ بديلةٍ للوصول إلى الطريقة الأمثل.

وتضيف أنه "بالرغم من قراءتها المكثفة في كتبٍ عدة، إلا أنها لم تكن كافية، فمهما قرأ الإنسان تبقى التجربة العملية خير دليل"، وبعد نجاحها فقط نشرت تجربتها عبر مواقع وسائل التواصل الاجتماعي لتعُمّ الفائدة على الجميع.

 

استغلال سطح البناية.. وفوائد متعددة

وتحاول منى التي طبقت تجربتها في الزراعة المائية على سطح البناية التي تقطن فيها، مستغلةً مساحة 40 متراً مربعاً كانت كفيلة بجعل تجربتها تكلَّل بالنجاح، وأن تعطي المزارعين أفكاراً، وأن تعمل على زيادة الوعي لديهم بشأن أهمية هذا النظام من خلال القيام بدوراتٍ للمزارعين والمهتمين بالزراعة المائية.

وتقول: إن اعتماد أنظمة جديدة في طرق الزراعة كنظام الزراعة المائية لا تقتصر فوائده على قطاع الزراعة فقط، وإنما سيشكل هذا النظام مردوداً كبيراً للاقتصاد، ويوفر حلاً لمشكلة نقص الأراضي الزراعية والمياه التي سببها الاحتلال.

وتضيف: والأهم من ذلك أن الزراعة المائية ستُسهم في تحسين النظام الصحي للمستهلك الفلسطيني، وتوفر منتجا عضويا ذا جودةٍ عاليةٍ، وبديلا عن منتج الاحتلال.

والتجربة الناجحة التي استطاعت منى الوصول إليها يجب أن تُعدّ حافزاً كبيرا للإنجاز والتفوق على العقبات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، وأن تشكل مصدر إلهامٍ لغيرها من النساء الفلسطينيات، ونقطة أُخرى تختزلها تجربة منى في طياتها، وهي أنّ تطبيق الإصلاحات والتطوير في قطاعات المجتمع الفلسطيني لا يقع عاتقه على أحد معين، وإنما مسؤولية على الجميع، ومن ضمنهم المرأة. (نساء FM). 

 

المصدر